السيد مصطفى الخميني
464
تفسير القرآن الكريم
الحقائق العلمية الحكمية لا تنقص من الإطلاقات العرفية ، فتلك الجنة من جنات الأرض إلا أنها لمثل آدم المجرد عن جميع الشهوات ، البالغ إلى حد المسجود لملائكة السماوات ، جنة لا يجوع فيها ولا يعرى ، ولا يظمأ فيها ولا يضحى ، وأما بعد ما مال إلى الجهات الوهمية والنفسانية ، تصير تلك الجنة جنة محكومة على خلاف تلك الأحكام ، ولكن ليس له ذلك ، ولذلك ترى أنه تعالى يقول : * ( فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه ) * أي من الخاصة والمنزلة ، ولذلك قال في سورة طه : * ( فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ) * ( 1 ) ، فيعلم لمكان الفاء وقوله تعالى : * ( من ورق الجنة ) * أن هذه الجنة عين الجنة التي كان آدم فيها قبل الإغواء والعصيان ، وليس خروجهما من الجنة بحسب المكان ، وهكذا قوله تعالى : * ( فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما . . . ) * ( 2 ) إلى آخرها ، فالأمر - بحمد الله - صار واضحا كالشمس في رائعة النهار ، وصار العقل والكتاب متناصرين بعد ما كان الكل واحدا بالضرورة . البحث الثاني حول دلالة الآيات على الجزاف لا شبهة في أن الجزاف غير جائز عند أبناء التحقيق وأصحاب الفلسفة العليا ، خلافا لبعضهم معتقدين أن الأمر كله لله تعالى ، وهذه
--> 1 - طه ( 20 ) : 121 . 2 - الأعراف ( 7 ) : 22 .